رد على الدامون و تجربته التونسية
لأني أعرف “خروب بلادي” حق المعرفة، فلا بد من هذه المقدمة القصيرة، لأقطع الطريق عن كل هؤلاء الذين يحترفون الاصطياد في الماء العكر. و على الأقل، الذين يفهمون ما يريدون فهمه هم لا ما يراد قوله.
سبق و أن ناقشنا الضجة التي خلقتها السنة الماضية حركة “مالي”، و قلت حينها أني ضد الطريقة التي اتبعتها هذه الحركة (لأني مقتنع بأن الأسلوب الاستفزازي لن يفيد إلا في تأزيم الأمور، على الأقل حاليا)، و لو أني لست ضد حقهم –المشروع- في إفطار رمضان، لأن ذلك يدخل في نطاق اختياراتهم العقائدية، التي هي ملك لهم لا لغيرهم. بالإضافة إلى أن المجتمع يسير، و إن ببطئ، على الطريق التسامح، و لا يمكن لهذا الاحتجاجات إلا أن تعطي للتيارات المتشددة فرصة للرجوع بنا إلى الوراء. الأمر هنا يخضع بشكل كبير إلى معيار الأولويات. على كلّ، سأغلق هذا القوس الآن، على أن أعود إليه في آخر التدوينة.
عبد الله الدامون من الكتّاب الذين ما إن تبدأ قراءة مقالاتهم حتى تبدأ في فتح فمك، لتجد صعوبة بالغة في غلقه عند نهاية المقال جراء الدهشة. و قد وجدت صعوبة بالغة، فاقت المرات السابقة، في إرجاع فمي لحالته الطبيعة ساعة انتهائي من مقاله “التجربة التونسية”. أقل ما يمكن قوله عن المقال أنه يفتقد الحد الأدنى من المنطقية و العقلانية في الكثير من أجزاءه. خصوصا في الفقرة التي لا يتوانى الكاتب في الإعلان على أن لا مشكلة لديه في استعمال الصائمين العنف ضد المفطرين، خاصة المفطرين علنيا. بل يذهب أكثر من ذلك، و يدعو الأمن إلى عدم التدخل، بدعوى أن دافعي الضرائب المغاربة لا يريدون “أن يستهلك الأمن جهده و وقته لحماية آكلي رمضان من الناس”، و كذلك لأن “الحرية يجب أن تكون كاملة أو لا تكون. للأقلية أن تمارس حريتها و للأغلبية الساحقة أن تمارس حريتها أيضا”!
لو لم أكن أعرف كتابات الدامون جيدا، لحسبت أن الأمر يتعلق بمقال ساخر نسي كاتبه علامات التعجب التي تكون حاضرة في مثل هذه المقالات. لكني، لحسن الحظ، أعرف جيدا الطريقة التي يفكر بها الكاتب، الذي ينسى أننا نحن معشر القراء “منيضاش لنا حبوبة فالدماغ” لكي نتعامل مع كلامه على أنه منطقي. فحتما حتى سكان أكثر المجتمعات بدائية، لم يكونوا ليصدقوا أن العنف يدخل في إطار الحرية. فكيف لعمل استفزازي كيفما كان، أن يستوي مع العنف الجسدي؟! لهذا فتعريفه للحرية يستحق عن جدارة و استحقاق لقب “التعريف الأحمق على الإطلاق”.
المصيبة لا تنتهي هنا، بل تزداد حدتها عند ذكر “دافعي الضرائب المغاربة”! و لا أدري هل كان كاتبنا يراهن على أن القراء يملكون نفس ذاكرة ذلك النوع من الأسماك التي لا تستقر المعلومات في ذاكرتها سوى لثوان معدودة، أم ماذا بالضبط؟ فقارئ تلك الجملة العجيبة، لا يمكن أن يفهم إلا أن الكاتب يتكلم على شعبين، أو على الأقل فئتين هما “دافعي الضرائب و المتملصين ضريبيا”. و الحقيقة أني لا أجد تفسيرا مقنعا، سوى أن بعض الصحفيين يحبون العزف على وتر “دافعي الضرائب” الحساس، كما قالت سناء العاجي.
كان الدامون سيكون منطقيا مع نفسه و مع القارئ، لو اقتبس من قاموس الجماعات المتشددة، و قال في جملة وحيدة “أن المغرب دولة مسلمة و لا تسمح بهكذا سلوكات”. ساعتها كان سيجنبنا قراءة مادته “المصيبة” هاته.
و بما أننا فتحنا هذا الموضوع، لا بد أن أقول شيئا في حق كذبة اختلقها البعض و ما لبثوا أن صدقوها. فبصفتي مسلما، أصوم رمضان كغيري من المسلمين، لم و لن أحس بأي استفزاز عند رأيتي لشحص يأكل في أحد أيام رمضان. فالأمر يتعلق في الأول و الأخير بقناعات شخصية، بالإضافة إلى أن صومي لا يتوقف على صوم الآخرين أيضا. و هنا أتساءل كيف يتعامل من يدعون أن الأمر مستفز لمشاعرهم مع غير الصائمين في الأيام الستة من شوال التي اختاروا أن يصوموها؟ ألا يتعلق الأمر في كلا الحالتين بنفس الصيام، أم أن في الأمر قضية ما؟!
رجوعا للمقدمة، و من مبدأ “دوي علينا و جي علينا”، كما يقول رشيد نيني، فمن وجهة نظري، أن الداعين للإفطار العلني، لم يوفقوا لا في الوقت و لا في الطريقة، و لو أن ذلك يدخل في نطاق حقهم المشروع. و هنا لا أتكلم، من زاوية حقوقية، بل من زاوية مصلحية. فكما يعرف الجميع، السياسة لا تؤخذ بعين الاعتبار الحق فقط، بل المصلحة أيضا. و بما أن هذه القضية هي سياسية و حقوقية في آن، لا يمكن أن تعالج بعيدا عن نطاق المصلحة. فالمجتمع المغربي، كما سبق أن ذكرت، و لو أنه أصبح محافظا أكثر من السابق، فهو يتجه نحو الانفتاح و التسامح و لو بخطوات متعثرة. و أي فعل أو خطوة غير محسوبة قد نتحو بهذه الخطوات إلى الوراء، فالجماعات الأصولية و المتشددة لا تنتظر سوى هاته المناسبات لتبرز عضلاتها. و بما أن الدولة لا يمكنها أن تترك لهذه الجماعات الملعب خاليا، فبدورها ستدخل على الخط، و بعدها ندخل في دوامة من المزايدات. و بالتالي الخاسر الأكبر هنا هي هذه الأقليات، خصوصا أن العامة لا تنظر إليهم بعين الرضى.
و لكي نكون أكثر موضوعية، لم يسبق أن حوكم قبل هذه الضجة بسبب الفصل 222. فالسلطة تغمض أعينها من هذه الناحية، لأنها تعرف أن الإيمان قضية شخصية، و مع ذلك لم تلغيه لكي لا تقدم فرصة العمر للجماعات الإسلامية. إذن، لا أعتقد أن إباحة الإفطار الجماعي من عدمه ضرورة ملحة، أو أولوية من الأولويات، يكفي أن نعلم أن في بعض الأماكن يمكنك أن تفطر دون أن يسألك أحد كم الساعة. إضافة إلى أن الحرية، و إن كانت تؤخذ كاملة أو تترك كاملة، فهي كالبيت لا يمكن أن تبني له سقفا دون وجود جدران.
الأولويات معروفة، و الفصول التي يتضرر منها الآلاف من الأشخاص و بشكل يومي أيضا معروفة، و هي التي يجب النضال من أجل إلغاءها، لا النضال و إضاعة الوقت من أجل فصل تراكم فوقه الغبار جراء عدم استعماله، و لا يتذكره إلا البعض في شهر وحيد من السنة.
أهلا أسامة، كيف حالك؟ : )
بالرغم من أن المقال يبدوا مبالغا فيه، مثل الاعتداء على المفطرين! (هذا اعتمادا على ما ذكرته، لاني احاول فتح وصلة المقال، وتظهر لي رسالة تخبرني أنه غير مسموح لي مشاهدة الصفحة! ربما حذفت أو لكوني من خارج المغرب) لكن هناك نقطة جوهرية دائما تُنسى عند الحديث في هذا الموضوع، يوجد في القانون ما يعرف بـ “النظام العام”، النظام العام مصطلح فضفاض وواسع النطاق، لكن يمكن تلخيصه في ثلاثة نقاط وهم كالتالي، السلامة العامة، الصحة العامة، الآداب العامة.
هذه النقاط الثلاثة تختلف باختلاف البلدان، المجتمعات، والثقافات، لكن الحرية يجب ألا تتعارض مع هذه النقاط الثلاثة، فلا يأتي شخص مصاب بمرض خطير معدي وينزل في الأماكن العامة بدعوى الحرية! ولا يمكن أن يقوم شخص بمعاشرة مرأة في مكان عام أو على الملأ بدعوى الحرية! كذلك حتى أكثر الدول تحرر -كما يقال- لا تسمح بالسير بدون ملابس في الشوارع!
لذا عند الحديث عن هذه الجزئية يجب النظر للموضوع بنظرة عامة وشاملة، وكل شيء بالقانون أيضا : )