محاولة: و أنت…
تجلس في المقهى، ما إن تستوي في جلستك، و قبل أن تسترجع أنفاسك، تأتيك النادلة صاحبة الملامح الصارمة. ترمقها بطرف عينك، ثم تزيح عنها بنظرك نحو النافذة. لكن مع ذلك تجد نفسك متعاطفا معها، دون أدنى سبب.
- “السلام…”. – “و عليكم السلام…”. دون تفكير تطلب “كابوتشينو”، مع أنك تعرف أنها لن تأتيك به، بل بشيء له من رحابة الصدر ما يجعله يقبل أكثر من اسم، و ذلك على حسب الظروف. اختيارك ذلك لم يكن نابعا سوى من رغبة دفينة في التغيير. فأنت كأغلب البقية، شخص بئيس، حياتك جحيم و لو أنك تتظاهر بالرضى عنها. ترغب في التغيير، لكنك شخص عاجز، تحاول الانتقام من الأمور التافهة مثلك. و اليوم تنتقم من المشروب الذي رافقك طيلة حياتك البئيسة، تستبدله بآخر “كلاس” و “شيك”.
تأتي النادلة بطلبك. لتتحول الطاولة إلى شيء يفيد “الفوضى الخلاقة”، و لو أنك لا تعرف ما معنى هذه “الفوضى الخلاقة”، لكن هذا ما تبادر إلى ذهنك بعد أن رأيت ما رأيته. “المطفئة”، الذي حتما ليس هذا اسمها بل تستعيره لأنك لا تعرف اسمها أو ربما لأن ذاكرتك لا تحتفظ بالكلمات العجيبة على شاكلة “تبّان”، تكوّن مع قائمة المشروبات مشهدا تحاول أن تتخيله رومانسيا، و هو طبعا ليس كذلك. كوب “الكابوتشينو” لا تربطه قرابة و لا حتى صداقة مع الصحن الذي يحمله، لكنهما مع ذلك يحاولان أن يتعايشا مع الظروف التي جمعتهما. كأس الماء المتعرق يذكرك بحانات وسط المدينة الحقيرة.
تحاول أن تتماهى في تطرفك، و تغيير الكثير. تقرر شرب “الكابوتشينو” بدون سكر. مع الرشفة الأولى تتذكر أن عواقب التطرف ليست دائما حميدة، و تضيف قطعة سكر من الثلاثة الموضوعة فوق الصحن. ترتشف مرة ثانية و عن مضض تتقبل مذاقه. تتذكر أيضا أن ذلك قد يجنبك مرض السكري و ما يصاحبه من مصاريف، و أنت الشخص المعدوم. تقرر بعدها ألا تقرب سكراً بعد ذلك.
تحمل كتابا، تقرأ عن الحريري و مقاماته، الواسطي و منمنماته. و أنت صاحب الفكر الضحل. تقرأ و لا تحاول التفكير كثيرا. تحاول أن لا تفكر في محاولة قراءة تلك المقامات. تتذكر حي بن يقظان، و كيف أنك أشفقت على قراء ذاك الرمان ما أن أنهيت الصفحة الأولى. تقرأ و تقرأ.. تدير الصفحة تلو الأخرى، تسرع للتخلص من هذا الكتاب.
تراقب ساعتك. تقصد النادلة. تسألها عن ثمن المشروب، و أنت تعرف ثمنه. تدفع لها و تطلب منها في تلكّؤ الاحتفاظ بنصف ثمن المشروب، ليس تعاطفا هذه المرة، بل طمعا في ابتسامة! تبارك لها رمضان، ليس كريما فقط، فكريم ارتبط هذه السنة بعد عقود من العزوبية… يا لها من حرارة!



