أرشيف

Archive for 29 أغسطس, 2010

رد على الدامون و تجربته التونسية

29 أغسطس 2010 2تعليقان

لأني أعرف “خروب بلادي” حق المعرفة، فلا بد من هذه المقدمة القصيرة، لأقطع الطريق عن كل هؤلاء الذين يحترفون الاصطياد في الماء العكر. و على الأقل، الذين يفهمون ما يريدون فهمه هم لا ما يراد قوله.

سبق و أن ناقشنا الضجة التي خلقتها السنة الماضية حركة “مالي”، و قلت حينها أني ضد الطريقة التي اتبعتها هذه الحركة (لأني مقتنع بأن الأسلوب الاستفزازي لن يفيد إلا في تأزيم الأمور، على الأقل حاليا)، و لو أني لست ضد حقهم –المشروع- في إفطار رمضان، لأن ذلك يدخل في نطاق اختياراتهم العقائدية، التي هي ملك لهم لا لغيرهم. بالإضافة إلى أن المجتمع يسير، و إن ببطئ، على الطريق التسامح، و لا يمكن لهذا الاحتجاجات إلا أن تعطي للتيارات المتشددة فرصة للرجوع بنا إلى الوراء. الأمر هنا يخضع بشكل كبير إلى معيار الأولويات. على كلّ، سأغلق هذا القوس الآن، على أن أعود إليه في آخر التدوينة.

ramadan1

عبد الله الدامون من الكتّاب الذين ما إن تبدأ قراءة مقالاتهم حتى تبدأ في فتح فمك، لتجد صعوبة بالغة في غلقه عند نهاية المقال جراء الدهشة. و قد وجدت صعوبة بالغة، فاقت المرات السابقة، في إرجاع فمي لحالته الطبيعة ساعة انتهائي من مقاله “التجربة التونسية”. أقل ما يمكن قوله عن المقال أنه يفتقد الحد الأدنى من المنطقية و العقلانية في الكثير من أجزاءه. خصوصا في الفقرة التي لا يتوانى الكاتب في الإعلان على أن لا مشكلة لديه في استعمال الصائمين العنف ضد المفطرين، خاصة المفطرين علنيا. بل يذهب أكثر من ذلك، و يدعو الأمن إلى عدم التدخل، بدعوى أن دافعي الضرائب المغاربة لا يريدون “أن يستهلك الأمن جهده و وقته لحماية آكلي رمضان من الناس”، و كذلك لأن “الحرية يجب أن تكون كاملة أو لا تكون. للأقلية أن تمارس حريتها و للأغلبية الساحقة أن تمارس حريتها أيضا”!

لو لم أكن أعرف كتابات الدامون جيدا، لحسبت أن الأمر يتعلق بمقال ساخر نسي كاتبه علامات التعجب التي تكون حاضرة في مثل هذه المقالات. لكني، لحسن الحظ، أعرف جيدا الطريقة التي يفكر بها الكاتب، الذي ينسى أننا نحن معشر القراء “منيضاش لنا حبوبة فالدماغ” لكي نتعامل مع كلامه على أنه منطقي. فحتما حتى سكان أكثر المجتمعات بدائية، لم يكونوا ليصدقوا أن العنف يدخل في إطار الحرية. فكيف لعمل استفزازي كيفما كان، أن يستوي مع العنف الجسدي؟! لهذا فتعريفه للحرية يستحق عن جدارة و استحقاق لقب “التعريف الأحمق على الإطلاق”.

المصيبة لا تنتهي هنا، بل تزداد حدتها عند ذكر “دافعي الضرائب المغاربة”! و لا أدري هل كان كاتبنا يراهن على أن القراء يملكون نفس ذاكرة ذلك النوع من الأسماك التي لا تستقر المعلومات في ذاكرتها سوى لثوان معدودة، أم ماذا بالضبط؟ فقارئ تلك الجملة العجيبة، لا يمكن أن يفهم إلا أن الكاتب يتكلم على شعبين، أو على الأقل فئتين هما “دافعي الضرائب و المتملصين ضريبيا”. و الحقيقة أني لا أجد تفسيرا مقنعا، سوى أن بعض الصحفيين يحبون العزف على وتر “دافعي الضرائب” الحساس، كما قالت سناء العاجي.

كان الدامون سيكون منطقيا مع نفسه و مع القارئ، لو اقتبس من قاموس الجماعات المتشددة، و قال في جملة وحيدة “أن المغرب دولة مسلمة و لا تسمح بهكذا سلوكات”. ساعتها كان سيجنبنا قراءة مادته “المصيبة” هاته.

و بما أننا فتحنا هذا الموضوع، لا بد أن أقول شيئا في حق كذبة اختلقها البعض و ما لبثوا أن صدقوها. فبصفتي مسلما، أصوم رمضان كغيري من المسلمين، لم و لن أحس بأي استفزاز عند رأيتي لشحص يأكل في أحد أيام رمضان. فالأمر يتعلق في الأول و الأخير بقناعات شخصية، بالإضافة إلى أن صومي لا يتوقف على صوم الآخرين أيضا. و هنا أتساءل كيف يتعامل من يدعون أن الأمر مستفز لمشاعرهم مع غير الصائمين في الأيام الستة من شوال التي اختاروا أن يصوموها؟ ألا يتعلق الأمر في كلا الحالتين بنفس الصيام، أم أن في الأمر قضية ما؟!

رجوعا للمقدمة، و من مبدأ “دوي علينا و جي علينا”، كما يقول رشيد نيني، فمن وجهة نظري، أن الداعين للإفطار العلني، لم يوفقوا لا في الوقت و لا في الطريقة، و لو أن ذلك يدخل في نطاق حقهم المشروع. و هنا لا أتكلم، من زاوية حقوقية، بل من زاوية مصلحية. فكما يعرف الجميع، السياسة لا تؤخذ بعين الاعتبار الحق فقط، بل المصلحة أيضا. و بما أن هذه القضية هي سياسية و حقوقية في آن، لا يمكن أن تعالج بعيدا عن نطاق المصلحة. فالمجتمع المغربي، كما سبق أن ذكرت، و لو أنه أصبح محافظا أكثر من السابق، فهو يتجه نحو الانفتاح و التسامح و لو بخطوات متعثرة. و أي فعل أو خطوة غير محسوبة قد نتحو بهذه الخطوات إلى الوراء، فالجماعات الأصولية و المتشددة لا تنتظر سوى هاته المناسبات لتبرز عضلاتها. و بما أن الدولة لا يمكنها أن تترك لهذه الجماعات الملعب خاليا، فبدورها ستدخل على الخط، و بعدها ندخل في دوامة من المزايدات. و بالتالي الخاسر الأكبر هنا هي هذه الأقليات، خصوصا أن العامة لا تنظر إليهم بعين الرضى.

و لكي نكون أكثر موضوعية، لم يسبق أن حوكم قبل هذه الضجة بسبب الفصل 222. فالسلطة تغمض أعينها من هذه الناحية، لأنها تعرف أن الإيمان قضية شخصية، و مع ذلك لم تلغيه لكي لا تقدم فرصة العمر للجماعات الإسلامية. إذن، لا أعتقد أن إباحة الإفطار الجماعي من عدمه ضرورة ملحة، أو أولوية من الأولويات، يكفي أن نعلم أن في بعض الأماكن يمكنك أن تفطر دون أن يسألك أحد كم الساعة. إضافة إلى أن الحرية، و إن كانت تؤخذ كاملة أو تترك كاملة، فهي كالبيت لا يمكن أن تبني له سقفا دون وجود جدران.

الأولويات معروفة، و الفصول التي يتضرر منها الآلاف من الأشخاص و بشكل يومي أيضا معروفة، و هي التي يجب النضال من أجل إلغاءها، لا النضال و إضاعة الوقت من أجل فصل تراكم فوقه الغبار جراء عدم استعماله، و لا يتذكره إلا البعض في شهر وحيد من السنة.

Advertisements
التصنيفات :مجتمعيات, خط أحمر

عندما يلتهم الغناء الثقافة

25 أغسطس 2010 4تعليقات

قد يقودك بحثك عن كلمة “ثقافة” إلى مقالة بالموسوعة الحرة “ويكبيديا”، و تحديدا إلى الجملة التالية: “جميع الأعمال والممارسات الخاصة بالنشاط الفكري والفني بصفة خاصة“. إذن فالثقافة، تعني فيما تعنيه، جميع الممارسات الخاصة بالنشاط الفكري و الفني.

هنا يمكن لأي أحد في التعمق، و أن يعدد المجالات التي تتفرع من النشاطين الفكري و الفني: قصة، رواية، تراث شفهي، غناء، نحت، رسم، تقاليد… و ما إلى ذلك. و قد نجد، أن هذه المجالات يتفق حولها أغلب البشر، إلا المسؤولين عن الشأن الثقافي المغربي.

فلسبب من الأسباب، لا يعرفه إلا الله ثم هؤلاء المسؤولين، فحامل لواء الثقافة في هذا البلد، ليست سوى فرق الشيخات، و حناجر المغنين، و آلاتهم الموسيقية.

الأمر لا يتوقف هنا، بل يتجاوزه إلى أن الغناء و “النشاط الذي شاط” فرض نفسه، أو فُرض، الأمر لا يهم كثيرا، حتى أصبح يزاحم المجالات الأخرى. كما حدث العام الماضي في معرض الدار البيضاء للكتاب، عندما اختلطت تاريخانية العروي بالمرساوي، و فلسفة الجابري بالعيطة، و عالم بن جلون السحري بالجّرّة!

و يمكنني الاستدلال على هذا الاستبداد الغنائي، بمقارنة بسيطة بين النشاط الغنائي و باقي النشاطات المقامة على هامش “رمضانيات البيضاء الثقافية” في نسختها الرابعة، و المقامة هذه الأيام (19 غشت – 5 شتنبر)، فمن بين 19 نشاطا هناك عشر للغناء، و ما تبقى متفرق بين الفكر، الشعر، القصة، المسرح و السينما.

لكي لا يفهم كلامي بشكل لم أعنيه، أقول أني أعرف أن الموسيقى بشكلها العام تساهم في تهذيب الروح و النفس، لكن سيطرتها على باقي أقطاب الثقافة من مسرح، فنون جميلة، سينما، أدب… لن يولد سوى أجيالا معاقة ثقافيا، و هذا ما بدأنا نعاني منه للأسف. لذا كل ما هو مطلوب، قليل من العقلانية عند مسؤولينا حتى لا تميل كفّة على حساب أخرى.

التصنيفات :ملاحظات

من شرفة ابن رشد

19 أغسطس 2010 أضف تعليق

القراءة لعبد الفتاح كليطو ممتعة. متعة تضاهي قراءة النصوص الإبداعية، من رواية و قصة و شعر… كيليطو يشتغل في الحقل النقدي، الذي يصبح مرادفا للإبداع معه.
55041444

في مؤلفه الأخير “من شرفة ابن رشد” (توبقال 2009)، الذي جاء في شكل مقالات مركزة، قريبة إلى القصة، يورطنا  المؤلف في القراءة. ذلك يحدث منذ الفصل الأول: “كيف نقرأ كليلة و دمنة؟”، بل منذ الجملة الأولى: “تعمل الحيلة حين تعوز القوة: هذا ما يعلمنا إياه كتاب كليلة و دمنة…”. في نفس الفصل، يرحل بنا كيليطو، إن صح التعبير، عبر كواليس كليلة و دمنة. يحدثنا عن الحيلة التي تفترض “خطابا مزدوجا”، هذا الأخير الذي يحيل في كليلة و دمنة “على الحية، الحيوان ذي اللسان المشطور”. و كيف أن أقل الحيونات كلاما هو الأسد “الذي يستمد كلامُه قوته من ندرته”. بعدها يتطرق المؤلف إلى مقدمة كليلة و دمنة المنسوبة إلى عليّ ين الشاه الفارسي، التي “تروي سبب تأليف الفيلسوف الهندي بيدبا هذا الكتاب لملك الهند دبلشيم”، و هنا يدخل بنا الكاتب إلى نفق التفاصيل، التي يهملها الأغلبية، لكن كيليطو يتبع خيطها إلى أن يصل إلى خلاصة غير متوقعة، و كأنه يعمل بنصيحة المثل الفرنسي: في التفاصيل تختبئ الشياطين! المقدمة تشير إلى بيدبا الذي تجرأ على مخاطبة الملك دبلشيم “مباشرة، دون لف و دوران… بلسان واحد بدل لسان الحية المزدوج”، مع أنه يعلم أكثر من غيره أن لزوم السكوت فيه السلامة، كما سيأتي في مؤِّلفه لاحقا. بعدها يُرمى ببيدبا في السجن لأنه تجرأ و قال للملك ما قاله. لكن بعد أيام، كثيرة، سيستدعيه الملك و يتلقاه بالقبول بعد أن عرف قدره، و يأمره بوضع كتاب يرتبط باسمه و يخلد مُلكه. و كذلك كان. ينجز الفيلسوف الكتاب و يقرأه أمام الملك و أهل مملكته، لكنه يلتمس منع انتشاره: “أسأل الملك أن يأمر بتدوين كتابي هذا كما دوّن آباؤه و أجداده كتبهم، و أن يأمر بالاحتياط عليه، فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند فيتناوله أهل فارس إذا علموا به فيذهب. و الآن لا يخرج من بيت الحكمة”. يعلق كيليطو، بكون بيدبا حكم على نفسه بألا يُقرأ، و يستطرد “الواقع أن بيدبا يمنع ترجمته و تبليغه، معتبرا إياه الملكية الحصرية لـ نحن. و الحال أنه حين برفض أحد أن “يُترجَم” فهو بذلك يرفض أن “يُتَرجِم”، فتحصل قطيعة عنيفة مع الآخر”. في الأخير، يشير المؤلف إلى ابن المقفع صاحب الترجمة العربية لكليلة و دمنة، الذي يذكر أن الكتاب “مع كونه واحدا، يتضمن كتابين متمايزين، أحدهما ظاهر و الآخر خفي” و “وحدها دراسة متعمقة ستتيح كشف درسه المرموز”. و يختم كيليطو هذا الفصل بتساؤل اعتراضي مهم: “لكن من يستطيع ذلك، هل سيبقى بحاجة لهذا الكتاب؟”.

في الفصل السابع، المعنون بـ”لغة القارئ”، يحلل و يصف كيليطو رواية أحمد الصفروي الرائعة “la boite à merveilles”. يصف ما يحوم حول سيدي محمد، بطل الرواية، من أخطار خارج البيت: أرجل المارة، الحمير، القطط و أيضا الجن، هاته الأخيرة التي لا بد من استرضاءها. يصف علاقة النساء بالرجال، و كيف أن لكل منهما مكانه الخاص، به و فقط. فالبيت “هو أرض النساء، لا يتقبّل الرجال فيه إلا لساعات محددة، عموما في المساء…”. الرجال مقلون في الكلام، عكس النسوة، مع استثناء الحلاق. لكن في الشارع تصير النسوة “معدومات الصوت”!

بعدها يبدأ كيليطو في التسلل نحو الهدف تدريجيا، أي لغة القرائ. يذكر المؤلف أن شخصيات الرواية تتكلم العربية، و لا رغبة لها في تعلم لغة أخرى. بل تدعو الله أن ينجي أبناءها من تعلم الفرنسية، لغة النصارى، كما حصل مع سيدي محمد نفسه. و لو أن في الأخير الرواية لن تروى إلا بالفرنسية. يتساءل كيليطو: هل الكاتب المغربي يكتب بلغة واحدة؟ يجيب بأن الصفريوي يكتب بلغتين، و هذا ما يولد لنا ثلاثة أنماط من القراء: الأول خارج اللعبة منذ الوهلة الأولى لأنه لا يتقن الفرنسية، التي هي لغة الرواية. الثاني هو الفرنكفوني الذي يجهل العربية، و لهذا القارئ كان الصفريوي يوقف السرد لشرح بعض الكلمات. و الثالث هو مزدوج اللغة، الذي لا يجد أي صعوبة في الفهم الدقيق لما يأتي به الكاتب بقيامه بترجمة معاكسه لترجمة المؤلف، أي من الفرنسية إلى العربية. هنا يستدرك كيليطو، و يقول بأن قراءة أحادي اللغة و إن لم تكن دقيقة، فهي ليست خاطئة بل مختلفة فقط. في الأخير يصل كيليطو إلى استنتاجه بكون من الضروري اعتبار لغة القارئ، فسؤال “بأي لغة تكتب؟” لا معنى له إلا إذا استكمل بالسؤال الآخر، المهمل باستخفاف: “بأي لغة تقرأ؟”.

كتاب “من شرفة ابن رشد” يحوي ثمان فصول: “كيف تقرأ كليلة و دمنة؟”، “كلام السلطان”، “عزيف الجن”، “تلك الجنة الخضراء”، “بيرك و الحريري”، “يارت و الرواية”، “لغة القرائ” و “من شرفة ابن رشد”. الكتاب ممتع حقا، لذا فكرة قراءته حتما صائبة.

التصنيفات :كتب

محاولة: و أنت…

11 أغسطس 2010 أضف تعليق

09_16_1---Cappuccino_web

تجلس في المقهى، ما إن تستوي في جلستك، و قبل أن تسترجع أنفاسك، تأتيك النادلة صاحبة الملامح الصارمة. ترمقها بطرف عينك، ثم تزيح عنها بنظرك نحو النافذة. لكن مع ذلك تجد نفسك متعاطفا معها، دون أدنى سبب.

– “السلام…”. – “و عليكم السلام…”. دون تفكير تطلب “كابوتشينو”، مع أنك تعرف أنها لن تأتيك به، بل بشيء له من رحابة الصدر ما يجعله يقبل أكثر من اسم، و ذلك على حسب الظروف. اختيارك ذلك لم يكن نابعا سوى من رغبة دفينة في التغيير. فأنت كأغلب البقية، شخص بئيس، حياتك جحيم و لو أنك تتظاهر بالرضى عنها. ترغب في التغيير، لكنك شخص عاجز، تحاول الانتقام من الأمور التافهة مثلك. و اليوم تنتقم من المشروب الذي رافقك طيلة حياتك البئيسة، تستبدله بآخر “كلاس” و “شيك”.

تأتي النادلة بطلبك. لتتحول الطاولة إلى شيء يفيد “الفوضى الخلاقة”، و لو أنك لا تعرف ما معنى هذه “الفوضى الخلاقة”، لكن هذا ما تبادر إلى ذهنك بعد أن رأيت ما رأيته. “المطفئة”، الذي حتما ليس هذا اسمها بل تستعيره لأنك لا تعرف اسمها أو ربما لأن ذاكرتك لا تحتفظ بالكلمات العجيبة على شاكلة “تبّان”، تكوّن مع قائمة المشروبات مشهدا تحاول أن تتخيله رومانسيا، و هو طبعا ليس كذلك. كوب “الكابوتشينو” لا تربطه قرابة و لا حتى صداقة مع الصحن الذي يحمله، لكنهما مع ذلك يحاولان أن يتعايشا مع الظروف التي جمعتهما. كأس الماء المتعرق يذكرك بحانات وسط المدينة الحقيرة.

تحاول أن تتماهى في تطرفك، و تغيير الكثير. تقرر شرب “الكابوتشينو” بدون سكر. مع الرشفة الأولى تتذكر أن عواقب التطرف ليست دائما حميدة، و تضيف قطعة سكر من الثلاثة الموضوعة فوق الصحن. ترتشف مرة ثانية و عن مضض تتقبل مذاقه. تتذكر أيضا أن ذلك قد يجنبك مرض السكري و ما يصاحبه من مصاريف، و أنت الشخص المعدوم. تقرر بعدها ألا تقرب سكراً بعد ذلك.

تحمل كتابا، تقرأ عن الحريري و مقاماته، الواسطي و منمنماته. و أنت صاحب الفكر الضحل. تقرأ و لا تحاول التفكير كثيرا. تحاول أن لا تفكر في محاولة قراءة تلك المقامات. تتذكر حي بن يقظان، و كيف أنك أشفقت على قراء ذاك الرمان ما أن أنهيت الصفحة الأولى. تقرأ و تقرأ.. تدير الصفحة تلو الأخرى، تسرع للتخلص من هذا الكتاب.

تراقب ساعتك. تقصد النادلة. تسألها عن ثمن المشروب، و أنت تعرف ثمنه. تدفع لها و تطلب منها في تلكّؤ الاحتفاظ بنصف ثمن المشروب، ليس تعاطفا هذه المرة، بل طمعا في ابتسامة! تبارك لها رمضان، ليس كريما فقط، فكريم ارتبط هذه السنة بعد عقود من العزوبية… يا لها من حرارة!

التصنيفات :محاولات