أرشيف

Archive for the ‘كتب’ Category

من شرفة ابن رشد

19 أغسطس 2010 أضف تعليق

القراءة لعبد الفتاح كليطو ممتعة. متعة تضاهي قراءة النصوص الإبداعية، من رواية و قصة و شعر… كيليطو يشتغل في الحقل النقدي، الذي يصبح مرادفا للإبداع معه.
55041444

في مؤلفه الأخير “من شرفة ابن رشد” (توبقال 2009)، الذي جاء في شكل مقالات مركزة، قريبة إلى القصة، يورطنا  المؤلف في القراءة. ذلك يحدث منذ الفصل الأول: “كيف نقرأ كليلة و دمنة؟”، بل منذ الجملة الأولى: “تعمل الحيلة حين تعوز القوة: هذا ما يعلمنا إياه كتاب كليلة و دمنة…”. في نفس الفصل، يرحل بنا كيليطو، إن صح التعبير، عبر كواليس كليلة و دمنة. يحدثنا عن الحيلة التي تفترض “خطابا مزدوجا”، هذا الأخير الذي يحيل في كليلة و دمنة “على الحية، الحيوان ذي اللسان المشطور”. و كيف أن أقل الحيونات كلاما هو الأسد “الذي يستمد كلامُه قوته من ندرته”. بعدها يتطرق المؤلف إلى مقدمة كليلة و دمنة المنسوبة إلى عليّ ين الشاه الفارسي، التي “تروي سبب تأليف الفيلسوف الهندي بيدبا هذا الكتاب لملك الهند دبلشيم”، و هنا يدخل بنا الكاتب إلى نفق التفاصيل، التي يهملها الأغلبية، لكن كيليطو يتبع خيطها إلى أن يصل إلى خلاصة غير متوقعة، و كأنه يعمل بنصيحة المثل الفرنسي: في التفاصيل تختبئ الشياطين! المقدمة تشير إلى بيدبا الذي تجرأ على مخاطبة الملك دبلشيم “مباشرة، دون لف و دوران… بلسان واحد بدل لسان الحية المزدوج”، مع أنه يعلم أكثر من غيره أن لزوم السكوت فيه السلامة، كما سيأتي في مؤِّلفه لاحقا. بعدها يُرمى ببيدبا في السجن لأنه تجرأ و قال للملك ما قاله. لكن بعد أيام، كثيرة، سيستدعيه الملك و يتلقاه بالقبول بعد أن عرف قدره، و يأمره بوضع كتاب يرتبط باسمه و يخلد مُلكه. و كذلك كان. ينجز الفيلسوف الكتاب و يقرأه أمام الملك و أهل مملكته، لكنه يلتمس منع انتشاره: “أسأل الملك أن يأمر بتدوين كتابي هذا كما دوّن آباؤه و أجداده كتبهم، و أن يأمر بالاحتياط عليه، فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند فيتناوله أهل فارس إذا علموا به فيذهب. و الآن لا يخرج من بيت الحكمة”. يعلق كيليطو، بكون بيدبا حكم على نفسه بألا يُقرأ، و يستطرد “الواقع أن بيدبا يمنع ترجمته و تبليغه، معتبرا إياه الملكية الحصرية لـ نحن. و الحال أنه حين برفض أحد أن “يُترجَم” فهو بذلك يرفض أن “يُتَرجِم”، فتحصل قطيعة عنيفة مع الآخر”. في الأخير، يشير المؤلف إلى ابن المقفع صاحب الترجمة العربية لكليلة و دمنة، الذي يذكر أن الكتاب “مع كونه واحدا، يتضمن كتابين متمايزين، أحدهما ظاهر و الآخر خفي” و “وحدها دراسة متعمقة ستتيح كشف درسه المرموز”. و يختم كيليطو هذا الفصل بتساؤل اعتراضي مهم: “لكن من يستطيع ذلك، هل سيبقى بحاجة لهذا الكتاب؟”.

في الفصل السابع، المعنون بـ”لغة القارئ”، يحلل و يصف كيليطو رواية أحمد الصفروي الرائعة “la boite à merveilles”. يصف ما يحوم حول سيدي محمد، بطل الرواية، من أخطار خارج البيت: أرجل المارة، الحمير، القطط و أيضا الجن، هاته الأخيرة التي لا بد من استرضاءها. يصف علاقة النساء بالرجال، و كيف أن لكل منهما مكانه الخاص، به و فقط. فالبيت “هو أرض النساء، لا يتقبّل الرجال فيه إلا لساعات محددة، عموما في المساء…”. الرجال مقلون في الكلام، عكس النسوة، مع استثناء الحلاق. لكن في الشارع تصير النسوة “معدومات الصوت”!

بعدها يبدأ كيليطو في التسلل نحو الهدف تدريجيا، أي لغة القرائ. يذكر المؤلف أن شخصيات الرواية تتكلم العربية، و لا رغبة لها في تعلم لغة أخرى. بل تدعو الله أن ينجي أبناءها من تعلم الفرنسية، لغة النصارى، كما حصل مع سيدي محمد نفسه. و لو أن في الأخير الرواية لن تروى إلا بالفرنسية. يتساءل كيليطو: هل الكاتب المغربي يكتب بلغة واحدة؟ يجيب بأن الصفريوي يكتب بلغتين، و هذا ما يولد لنا ثلاثة أنماط من القراء: الأول خارج اللعبة منذ الوهلة الأولى لأنه لا يتقن الفرنسية، التي هي لغة الرواية. الثاني هو الفرنكفوني الذي يجهل العربية، و لهذا القارئ كان الصفريوي يوقف السرد لشرح بعض الكلمات. و الثالث هو مزدوج اللغة، الذي لا يجد أي صعوبة في الفهم الدقيق لما يأتي به الكاتب بقيامه بترجمة معاكسه لترجمة المؤلف، أي من الفرنسية إلى العربية. هنا يستدرك كيليطو، و يقول بأن قراءة أحادي اللغة و إن لم تكن دقيقة، فهي ليست خاطئة بل مختلفة فقط. في الأخير يصل كيليطو إلى استنتاجه بكون من الضروري اعتبار لغة القارئ، فسؤال “بأي لغة تكتب؟” لا معنى له إلا إذا استكمل بالسؤال الآخر، المهمل باستخفاف: “بأي لغة تقرأ؟”.

كتاب “من شرفة ابن رشد” يحوي ثمان فصول: “كيف تقرأ كليلة و دمنة؟”، “كلام السلطان”، “عزيف الجن”، “تلك الجنة الخضراء”، “بيرك و الحريري”، “يارت و الرواية”، “لغة القرائ” و “من شرفة ابن رشد”. الكتاب ممتع حقا، لذا فكرة قراءته حتما صائبة.

التصنيفات :كتب