أرشيف

Archive for the ‘محاولات’ Category

محاولة: و أنت…

11 أغسطس 2010 أضف تعليق

09_16_1---Cappuccino_web

تجلس في المقهى، ما إن تستوي في جلستك، و قبل أن تسترجع أنفاسك، تأتيك النادلة صاحبة الملامح الصارمة. ترمقها بطرف عينك، ثم تزيح عنها بنظرك نحو النافذة. لكن مع ذلك تجد نفسك متعاطفا معها، دون أدنى سبب.

– “السلام…”. – “و عليكم السلام…”. دون تفكير تطلب “كابوتشينو”، مع أنك تعرف أنها لن تأتيك به، بل بشيء له من رحابة الصدر ما يجعله يقبل أكثر من اسم، و ذلك على حسب الظروف. اختيارك ذلك لم يكن نابعا سوى من رغبة دفينة في التغيير. فأنت كأغلب البقية، شخص بئيس، حياتك جحيم و لو أنك تتظاهر بالرضى عنها. ترغب في التغيير، لكنك شخص عاجز، تحاول الانتقام من الأمور التافهة مثلك. و اليوم تنتقم من المشروب الذي رافقك طيلة حياتك البئيسة، تستبدله بآخر “كلاس” و “شيك”.

تأتي النادلة بطلبك. لتتحول الطاولة إلى شيء يفيد “الفوضى الخلاقة”، و لو أنك لا تعرف ما معنى هذه “الفوضى الخلاقة”، لكن هذا ما تبادر إلى ذهنك بعد أن رأيت ما رأيته. “المطفئة”، الذي حتما ليس هذا اسمها بل تستعيره لأنك لا تعرف اسمها أو ربما لأن ذاكرتك لا تحتفظ بالكلمات العجيبة على شاكلة “تبّان”، تكوّن مع قائمة المشروبات مشهدا تحاول أن تتخيله رومانسيا، و هو طبعا ليس كذلك. كوب “الكابوتشينو” لا تربطه قرابة و لا حتى صداقة مع الصحن الذي يحمله، لكنهما مع ذلك يحاولان أن يتعايشا مع الظروف التي جمعتهما. كأس الماء المتعرق يذكرك بحانات وسط المدينة الحقيرة.

تحاول أن تتماهى في تطرفك، و تغيير الكثير. تقرر شرب “الكابوتشينو” بدون سكر. مع الرشفة الأولى تتذكر أن عواقب التطرف ليست دائما حميدة، و تضيف قطعة سكر من الثلاثة الموضوعة فوق الصحن. ترتشف مرة ثانية و عن مضض تتقبل مذاقه. تتذكر أيضا أن ذلك قد يجنبك مرض السكري و ما يصاحبه من مصاريف، و أنت الشخص المعدوم. تقرر بعدها ألا تقرب سكراً بعد ذلك.

تحمل كتابا، تقرأ عن الحريري و مقاماته، الواسطي و منمنماته. و أنت صاحب الفكر الضحل. تقرأ و لا تحاول التفكير كثيرا. تحاول أن لا تفكر في محاولة قراءة تلك المقامات. تتذكر حي بن يقظان، و كيف أنك أشفقت على قراء ذاك الرمان ما أن أنهيت الصفحة الأولى. تقرأ و تقرأ.. تدير الصفحة تلو الأخرى، تسرع للتخلص من هذا الكتاب.

تراقب ساعتك. تقصد النادلة. تسألها عن ثمن المشروب، و أنت تعرف ثمنه. تدفع لها و تطلب منها في تلكّؤ الاحتفاظ بنصف ثمن المشروب، ليس تعاطفا هذه المرة، بل طمعا في ابتسامة! تبارك لها رمضان، ليس كريما فقط، فكريم ارتبط هذه السنة بعد عقود من العزوبية… يا لها من حرارة!

Advertisements
التصنيفات :محاولات

محاولة 1.1 (قصة)

26 ديسمبر 2009 أضف تعليق

ملاحظة: تصنيف محاولات، لا يحوي سوي أمورا خيالية، و نادرا ما يحمل بين طياته شيئا من الحقيقة!

جدتي..

امرأة عجوز، بلغت من العمر عتيا. عاشت حياتها و زيادة، و مع ذلك ما زالت تتقاذفها أمواج الحياة. التقدم في العمر يصحب معه جيوشا من الأمراض: الخرف، الزهايمر، ضعف السمع و البصر.. كل هذه الأمور حولتها إلى كائن غير محتمل؛ الأمر يسوء أكثر، عندما تبدأ في محادثة نفسها. نادرا ما انتبهت إلى ما تقوله، فالثقوب السوداء التي تملؤ ذاكرتها جعلت كلامها غير ذي معنى. مرة سمعتها تردد جمله غريبة، غريبة لأنه صعب أن تكون نتاج تجاربها. فجدتي امرأة تقليدية، و تسبح في محيط من التقليدانية. قد يتعلق الأمر بمقطع من أغنية، أو جملة قيلت في أحد أفلام الأبيض و الأسود ما زالت عالقة في ذهنها. لكن مع ذلك يبقى ما تلفظت به هو ما يقتنع به الكثيرون ممن أعرفهم. جدتي قالت:”لعن الله الحب وَ سنين الحب”!

هو..

حصل ذلك بدون مقدمات، و من ذا الذي يمكنه أن يخبرنا كيف وقع في الحب؟ يوم بعد يوم وجد نفسه متورطا في حبها. و الأسباب غير معروفة. أو ليس تبرير الحب تفاهة، أو إن أردتم، للدقة، فظاعة؟! هو، لا يتذكر متى داهمت قلبه سهام حبها، أنا أيضا لا أتذكر ذلك. فعلى الأرجح ذلك حدث في غفلة مني، و لو أن طريقة الكتابة المتبعة تحتم علي معرفة كل التفاصيل. المعذرة، لقد شرذ ذهني!

لم يسبق له أن أحب كهذه المرة، كل ما حصل سابقا لم يكن غير تمثيل رديء لدور الحبيب. فهو لم يرد أن يحِب، رفض كل العروض السابقة، تجاوزها، فليس هناك وقت لذلك. هذه المرة أيضا، حاول أن يغمض عينه، و أن يتلاعب بقلبه. الفشل كان النتيجة. لم ينجح في مسعاه، فهذه المرة غير أي مرة. لقد وقع في حبها. و هو معذور على كلّ، فمن يستطيع رفضها؟!…

لم يفاتحها بعد في الموضوع -على أية حال لم يمر وقت طويل- إذ تصادفه إكراهات. بالمناسبة، في مثل هذه المواضيع دوماً ما توجد هناك إكراهات. فليس هناك ما يمكنه أن يقوله لها: “أحبك!”، ثم ماذا بعذ ذلك؟؟ هل يتحذها عشيقة؟ مستحيل، فلا هي ستقبل و لا هو. الزواج غير ممكن، فلا هو مستعد و لا هي. ما الحل إذن؟: إما أن تبادر هي، أو أعيد الصياغة!

أنا..

دوماً ما قالت لي، من اعتدت على محادثها كل ليلة، “إن الحبّ معدٍ”. كلامها ذلك يبدو منطقيا، لكني لم أتأكد من إلى حد الآن. لم تكن فرصة لتجربة ذلك، فكل تجارب الحب.. هل قلت حب؟؟! قصدت، أن كل التجارب لم تصل إلى مرحلة الحب، تتجمد عند الإعجاب. فكل من سبق أن تقربت منهن، لم ينجحن في أن يجعلنني أتفادى السؤال القاتل: “هل فعلا هي الشخص المناسب؟”. كان هذا هو السؤال الذي يعلن النهاية. لحسن الحظ، لي طبعا، كنت لا أتردد في إدارة الصفحة بعد السؤال.

يا للعار، المفروض أن أحدثكم عن شخصيات صنعتها، و إذ بي أحدثكم عن نفسي. أستسمحكم، سأكمل!

في أحد الليالي الماطرة، سألتني “إ”، سؤالا لم أحب صياغته: لمَ نحب، أو نعز شخصا، هل لأنه يشبهنا و أم لأننا نتمنى أن نشبهه؟؟ إجابتي كانت، “لا هذا و لا ذاك”، ثم أوققت الحديث. هي تعرفني -أو هكذا أخال-، لذلك لم تطلب تفسيرا، و ربما السؤال لم يكن موجها لي شخصيا.. أما أنتم فلا تعرفونني! لست شخصا أنانيا أو نرجسيا، لأبحث عن شخص مثلي. ذلك يعني، أنني أختار أن أعيش نع نفسي، في تغييب، و إلغاء التام للآخر. لست من ذلك النوع، لأضع مقاييساً لمن سأحب. أحب، و أقبل، الشخص لذاته، كما هو، لا كما أحب أن يكون. للآخر أيضا شخصيته المستقلة، تتفقون معي هنا!، التي يجب أن أقبلها إن فعلا كنا أحبه. سأحاول أن أختصر، و أقول ما علمتني إياه الحياة: لا تضيعوا وقتكم في رسم صورة أميرة الأحلام، فتأكدوا، ساعة سيدق الحب بابكم ستكونون قد ضيعتم الصورة!

هي..

ما زالت مترددة، هل تتماهى معه، أم تتريث.. أم…! بصفتي مؤلفا مضطلعا على كل التفاصيل، و لو أن ذلك يعدّ فعلا مشينا في حق إحدى شخصياتي، يمكن أن أفشي لكم سرّا: إنها تجس بشيء تجاهه، لكنها تقضل المراقبة -و هذا رأيي أيضا-، إلى أن توضح الصورة أكثر.

هي تعلم مقدار كل التفاعلات التي تجري داخل قلبه، فهي ليست معتوهة أو على الفطرة، كما يعتقد البعض أو كما قد تعتقدون أنتم أيضا. فمعاملته لها تختلف عن تعامله مع الآخرين، أو إن أردتم مع الأخريات. في حضرتها يكون طفلا، و لو مشاغبا احيانا. هذه حال الأطفال! كل هذا، و المزيد، يجعها تحس بما في قلبه دون بذل جهد كبير. كل شيء واضح في عينيه.

هي ما زالت مترردة، لأنها لم تجد إجابة للسؤال الأساسي بالنسبة لكل امرأة لها نفس حمولتها الثقافية: هل هو الرجل المناسب؟! اعذروني، وددت أن أخلق شخصية لها غير هذه الخلفية الثقافية، لكني خشيت أن تجدوها قصة مكررة،أو لأنها هذه هي الحقيقة!

كأيّ امرأة أخرى، هي تريد أن تُحَب، أن تسمع كلمة “أحبك” تخرج من فم حبيبها، و أن تطلب مهلة للتفكير أول الأمر، أو ربما الرفض مبدئيا. فهكذا تسير الأمور في هذه الرقعة من العالم. الرجل هو المبادر، محكوم عليه بأن يقول “أحبكِ” لا أن يسمعها. و هنا مكمن إشكالية هذه القصة.

محاولة 1.0

6 نوفمبر 2009 16تعليق

كنت دوما غريب الأطوار، لم تكن من هواياتي جمع الطوابع، و لا تربية السلاحف، كما أن معرفة كل التفاصيل الدقيقة و غير الدقيقة عن عالم السيارات، لم يكن أمرا يستهويني؛ كل هذه الهوايات لا و لم تثرني، لا مميز فيها، كلاسيكية.. هذا كل ما يمكن القول عنها. و أنا كنت في حاجة إلى هواية غريبة، عجيبة تنتشلني من بين الناس. هواية تقتصر عليّ فقط.

هوايتي كانت، و ما زالت، إن شئتم… من فضلكم لا تسيئوا الظن بي، و لو أن ذلك من حقكم. لكن لكم أن تختلقوا لي الأعذار.. كانت هي جمع أرقام هواتف الفتيات.. لقد رجوتكم، أن لا تسيئوا ظنكم بي. فيكفيني كل الآخرين الذين أساؤوا فهمي.. تلك الأرقام كنت أصففها في سجل كبير، قديم، بترتيب أبجدي. كما قد تفعل أنت مع أشياء تافهة تحتفظ بها في علبة تحت السرير. الأمر لم يكن يسيرا دائماً، فأحيانا أجهد نفسي حتى أغنم بالرقم، و أخرى لا أحصل على شيء، بسبب سوء تفاهم، معروف السبب على أية حال.

غالبا ما كنت أضطر لشرح موقفي، كما أفعل الآن معكم، فأنا لم أكن كأي نذل حقير، يبحث عن المتعة، و يتبخر بعدها. أنا كنت عكس كلّ هؤلاء، كنت أبحث عن أرقام هواتف فقط، يمكنني أن أتصل بعدها أو لا. فالأمر يتوقف كله على مزاجي. و حتى في المرات القليلة التي تشجعت و حملت فيها سماعة الهاتف، كان الأمر ينتهي بعد جلسة أو جلستين في إحدى المقاهي، التي لم يكن لي يد في اختيارها. كان هدفي الوحيد، و الأوحد، هو ملؤ أكبر عدد ممكن من أوراق السّجّل، و تغطية قدر من الحروف.

أعرف أن لا سيطرة لي على تفكيركم، و حتما ستسألون، كما فعل قبلكم الكثيرون: لماذا الفتيات لا غيرهن؟ لا إجابة لي طبعا، لكن مع ذلك أطالب في حقي في الكيل بمكيال لا اثنين، فأنتم لم تسألوا عن لماذا الطوابع لا الأظرفة!

من مذكرات مجهول 1

24 سبتمبر 2009 2تعليقان

الدفتر  الأول، ص 1

لطالما وددت أن أحكي عن طفولتي، لكنني لم أجد شيئا يستحق الحكي، فطفولتي كانت عادية، و أحيانا مملة. ربما في المستقبل قد أكتشف فيها أشياءً مميزة، يمكن أن تثير الانتباه. ذلك قد يحصل إن أصبحت أحد أغنياء العالم، أو أحد الشخصيات الهامة. إن كُنتَ شخصا مهما و معروفا، لا بد أن يكون هناك ما تحكيه: البدايات و الطريق الصعب، الانتصار على أعداء النجاح و دروس الحياة… لا بد أن تجد شيئا تحكيه للعالم مهما كان تافها. حتى إن لم تجد شيئا يذكر، يمكنك أن تحكي عن الشخص الذي اعتبرته مثلك الأعلى و أثّر فيك. دوما هناك ما يقال، يجب علينا البحث فقط.

*

د. الأول، ص 97

فعلت ما قالته الشاعرة: خرجت إلى الشارع يوما، و رأيت الصيف قد ضاع خلف غيمة.. إنه الخريف! هذا الفصل الذي يجعلني كئيبا مثله. تلك الكآبة التي لا أحتاجها حاليا بكل تأكيد. أكره جو الخريف، أمطاره المجنونة و طقسه الذي يشعرك برغبة شديدة في النوم. إنني أكره الفصل في حد ذاته. حقيقة ليس لسبب مقنع، سوى أن اسمه الخريف، هذا كل شيء ببساطة. لا أدري ما حكايتي هذه الأيام مع الكره. أخشى أن أستيقظ يوما فأجدني أكره نفسي، فالأشياء التي ما زلت أحبها اقتربت من النفاذ.

في طفولتي، و ها قد وجدت شيئا أحكيه أخيرا، كنت كلما حل الدخول المدرسي، الذي يصادف بداية الخريف، أتمنى أن يحل الوقت الذي سيَكتُب المعلم بخطه الرديء، على الصبورة مارس عوض شتنبر أو نونبر… أحب الربيع، أو بالأحرى كنت أحبه. ليس لأني استمتع بخضرته و جوّه الساحر كما يقولون، فأمثالنا لا يستمتعون. بل لأن الطائرة التي تقل خالتي كانت تحط بالمطار في ذاك الفصل بالذات. كنت أحبها، و ربما ما زلت، خالتي لا الطائرة. لا أدري ما سبب تغير شعوري تجاهها كما كان. قد يكون ذلك راجعا إلى أنها لم تعد طويلة القامة كما  في السابق، أو أنها أصبحت تأتي في الصيف. على كل حال، إنها ليست الأولى أو الأخيرة التي تغير شعوري اتجاهها. إن لي شعورا مزاجيا، لا يستقر على حال، و لا يبدو أنه سيعرف طريقه إلى الاستقرار في يوم من الأيام.

التصنيفات :من مذكرات مجهول